48. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . الشرح : - 1. قوله ( من الكسل والهرم )الهرم هو الزيادة فى كبر السن. 2. قوله ( و المأثم والمغرم ) والمراد الإثم والغرامة , وهي ما يلزم الشخص أداؤه كالدين . وفسر صلى الله عليه وسلم سبب التعوذ" إنه من غرم حدث فكذب ووعد فأخلف" [1]. 3. قوله ( ومن فتنة القبر ) هي سؤال الملكين , وعذاب القبر. 4. قوله ( ومن فتنة النار ) هي سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ , وإليه الإشارة بقوله تعالى ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير ) . 5. قوله ( ومن شر فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر ) قال الغزالي : فتنة الغنى الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله وبمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه , وفتنة الفقر يراد به الفقر المدقع الذي لا يصحبه خير ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة , ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب , ولا في أي حالة تورط . وقيل المراد به فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها , وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه . 6. قوله ( وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ) في رواية وكيع " ومن شر فتنة المسيح الدجال ". 7. قوله ( اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد إلخ) وحكمة العدول عن الماء الحار إلى الثلج والبرد مع أن الحار في العادة أبلغ في إزالة الوسخ الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال , فكان ذكرهما آكد في هذا المقام , أشار إلى هذا الخطابي . وقال الكرماني : وله توجيه آخر وهو أنه جعل الخطايا بمنزلة النار لكونها تؤدي إليها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في إطفائها , وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج ثم إلى أبرد منه وهو البرد بدليل أنه قد يجمد ويصير جليدا , بخلاف الثلج فإنه يذوب . 49. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ . ( مسلم ) . الشرح : - 1. قوله ( خفيفتان على اللسان إلخ ) قال الطيبي الخفة مستعارة للسهولة , شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يخف على الحامل من بعض المحمولات فلا يشق عليه , , وأما الثقل فعلى حقيقته لأن الأعمال تتجسم عند الميزان , والخفة والسهولة من الأمور النسبية . 2. وفي الحديث حث على المواظبة على هذا الذكر وتحريض على ملازمته , لأن جميع التكاليف شاقة على النفس . وهذا سهل ومع ذلك يثقل في الميزان كما تثقل الأفعال الشاقة فلا ينبغي التفريط فيه [2]. 3. وقوله " حبيبتان إلى الرحمن " مثنى حبيبة وهي المحبوبة , والمراد أن قائلها محبوب لله , ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم , وخص الرحمن من الأسماء الحسنى للتنبيه على سعة رحمة الله , حيث يجازى على العمل القليل بالثواب الجزيل , ولما فيها من التنزيه والتحميد والتعظيم . 4. وفي الحديث جواز السجع في الدعاء إذا وقع بغير كلفة . 50. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ . الشرح : - 1. قوله ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ قوله " نعمتان " مثنى نعمة وهي الحالة الحسنة , وقيل هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان للغير . 2. والغبن[3] يكون في البيع وفي الرأي , وعلى هذا فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي فقد غبن لكونه باعهما ببخس ولم يحمد رأيه في ذلك . 3. قال الطيبي : ضرب النبي صلى الله عليه وسلم للمكلف مثلا بالتاجر الذي له رأس مال , فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال , فطريقه في ذلك أن يتحرى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن , فالصحة والفراغ رأس المال , وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان , ومجاهدة النفس وعدو الدين , ليربح خيري الدنيا والآخرة وقريب منه قول الله تعالى ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) الآيات [4]. وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيع رأس ماله مع الربح . 4. وقوله في الحديث " مغبون فيهما كثير من الناس " كقوله تعالى ( وقليل من عبادي الشكور ) فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية . 5. وقال القاضي وأبو بكر بن العربي : اختلف في أول نعمة الله على العبد فقيل الإيمان , وقيل الحياة , وقيل الصحة , والأول أولى فإنه نعمة مطلقة , وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية , ولا تكون نعمة حقيقة إلا إذا صاحبت الإيمان وحينئذ يغبن فيها كثير من الناس أي يذهب ربحهم أو ينقص , فمن استرسل مع نفسه الأمارة بالسوء الخالدة إلى الراحة فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غبن , وكذلك إذا كان فارغا فإن المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ فإنه يرتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحجة . 51. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُبَيٍّ قَالَ كُنَّا نَرَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ . الشرح : - 1. قوله ( كنا نرى ) بضم النون أوله أي نظن , ويجوز فتحها من الرأي أي نعتقد . 2. قوله ( ألهاكم التكاثر ) خرج على لفظ الخطاب لأن الله فطر الناس على حب المال والولد فلهم رغبة في الاستكثار من ذلك , ومن لازم ذلك الغفلة عن القيام بما أمروا به حتى يفجأهم الموت . 3. وفي حديث الباب ذم الحرص والشره ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة باليسير والرضا بالكفاف . 4. ووجه ظنهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحد منه , فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الأول من كلام النبي صلى الله عليه وسلم . 52. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا . وقد رواه البخاري كذلك فى كتاب الإيمان باب الدين يسر (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَ أَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ ) . الشرح : - 1. قوله ( لن ينجي أحدا منكم عمله ) قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى ( وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ما محصله أن تحمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال , فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال , وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها . ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى ( سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال , وأجاب بأنه لفظ مجمل بينه الحديث , والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون , وليس المراد بذلك أصل الدخول . ثم قال : ويجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية , والتقدير ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم , لأن اقتسام منازل الجنة برحمته , وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك , ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله , وقد تفضل عليهم ابتداء بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم . وقال عياض طريق الجمع أن الحديث فسر ما أجمل في الآية , فذكر نحوا من كلام ابن بطال الأخير وأن من رحمة الله توفيقه للعمل وهدايته للطاعة كل ذلك لم يستحقه العامل بعمله . وإنما هو بفضل الله وبرحمته . 2. قوله ( قالوا ولا أنت يا رسول الله ) ؟ قال الكرماني : إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة الله فوجه تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أنه إذا كان مقطوعا له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة الله فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى . وقد ورد جواب هذا السؤال بعينه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم من حديث جابر بلفظ " لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار , ولا أنا إلا برحمة من الله تعالى " . 3. قوله ( إلا أن يتغمدني الله ) و في رواية " إلا أن يتداركني " . 4. قوله ( برحمة ) و في رواية " بفضلٍ ورحمة " وفي رواية " بفضل رحمته " قال أبو عبيد : المراد بالتغمد الستر , وما أظنه إلا مأخوذا من غمد السيف لأنك إذا أغمدت السيف فقد ألبسته الغمد[5] وسترته به . 5. قال الرافعي : في الحديث أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات لأنه إنما عمل بتوفيق الله , وإنما ترك المعصية بعصمة الله , فكل ذلك بفضله ورحمته . 6. قوله : ( ولن يشاد الدين أحدُ إلا غلبه ) المعنى لا يتشدد أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب . 7. قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة , فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع[6] في الدين ينقطع , وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة , بل منع الإفراط المؤدى إلى الملال , أو المبالغة في التطوع المفضى إلى ترك الأفضل , أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة , أو إلى أن خرج الوقت المختار , أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة , وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد " إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة , وخير دينكم اليسرة " . 8. وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية , فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع , كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضى به استعماله إلى حصول الضرر . 9. قوله ( سددوا ) في رواية عند مسلم " ولكن سددوا " ومعناه أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط , قال أهل اللغة : السداد التوسط في العمل ، ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور [7] نفي فائدة العمل , فكأنه قيل بل له فائدة وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل العامل الجنة فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب أي اتباع السنة من الإخلاص[8] وغيره[9] ليقبل عملكم فينزل عليكم الرحمة . 10. قوله ( وقاربوا ) أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه ، و لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا. 11. قوله : ( و أبشروا ) أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل , والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره , وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما . 12. قوله : ( واستعينوا بالغدوة ) أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة . والغدوة بالفتح سير أول النهار , وقال الجوهري : ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس . 13. ( والروحة ) بالفتح السير بعد الزوال . 14. (الدلجة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل , وقيل سير الليل كله , ولهذا عبر فيه بالتبعيض فقال وشئ من الدلجة , ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار . 15. وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر , وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه , لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع , وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة . وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة , وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة . 16. وقوله " القصد القصد " بالنصب فيهما على الإغراء , والقصد الأخذ بالأمر الأوسط . أي الزموا الطريق الوسط المعتدل . واللفظ الثاني للتأكيد . 17. وفيه إشارة إلى الحث على الرفق في العبادة, وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر إلى محل إقامته وهو الجنة . 18. ووقفتُ[10] على سبب لهذا الحديث : فأخرج ابن ماجه من حديث جابر قال " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يصلي على صخرة فأتى ناحية فمكث ثم انصرف فوجده على حاله فقام فجمع يديه ثم قال : أيها الناس عليكم القصد , عليكم القصد " . 53. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ [11]بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ . الشرح : - 1. قوله ( لا يلقي لها بالا ) أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئا , وهو من نحو قوله تعالى ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) [12]وقد وقع في حديث بلال بن الحارث المزني الذي أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم بلفظ " إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة " وقال في السخط مثل ذلك . 2. قوله ( يُهْوِى ) قال عياض : المعنى ينزل فيها ساقطا . وقد رُوي بلفظ " ينزل بها في النار " لأن درجات النار إلى أسفل , فهو نزول سقوط . ورواه الترمذي بلفظ " لا يرى بها باسأ يهوى بها في النار سبعين خريفا " 54. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . الشرح : - 1. قوله ( فيما يروى عن ربه ) هذا من الأحاديث القدسية[13] 2. قوله ( إن الله عز وجل كتب الحسنات والسيئات ) يحتمل أن يكون هذا من قول الله تعالى فيكون التقدير قال الله إن الله كتب , ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يحكيه عن فعل الله تعالى 3. (وقوله كتب ) أي أمر الحفظة أن تكتب ،وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رفعه قال : " قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة , وهو أبصر به[14] , فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها " . 4. قوله ( فمن هم ) المراد بالهم هنا العزم . ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل . لما رواه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث خريم بن فاتك رفعه " ومن هم بحسنة يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص عليها " . 5. قوله ( كتبها الله له ) أي للذي هم بالحسنة ( عنده ) أي عند الله ( حسنة كاملة ) قال النووي : أشار بقوله " عنده " أي عند الله إلى مزيد الاعتناء به , وبقوله " كاملة " إلى تعظيم الحسنة وتأكيد أمرها , وعكس ذلك في السيئة فلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله " واحدة " إشارة إلى تخفيفها مبالغة في الفضل والإحسان . ومعنى قوله : " كتبها الله " أمر الحفظة بكتابتها بدليل حديث أبي هريرة عند البخاري بلفظ : " إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها " . 6. وفيه دليل على أن الملك يطلع على ما في قلب الآدمي إما بإطلاع الله إياه أو بأن يخلق له علما يدرك به ذلك , ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني قال : " ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا , فيقول يا رب إنه لم يعمله , فيقول إنه نواه " وقيل بل يجد الملك للهم بالسيئة رائحة خبيثة وبالحسنة رائحة طيبة , وأخرج ذلك الطبري 7. قوله ( فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات ) أي إذا هم بحسنة فإن كتبت له حسنة عملها كملت له عشرة, وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدة للهم وأخرى للعمل بل تكتب واحدة فقط . 8. وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة }[15] الآية , وقوله { اجتنبوا كثيرا من الظن }[16] وغير ذلك. 55. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا . الشرح : - 1. قوله ( أُحِل ) أي أنزل . 2. قوله ( رضواني ) بكسر أوله وضمه , وفي حديث جابر قال " رضواني أكبر " وفيه تلميح بقوله تعالى( ورضوان من الله أكبر)
.
.
الاحد, 10 صفر, 1429


